علي بن أحمد المهائمي
543
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
رحمة بالمغضوب عليه ، فلا تقابل بين الرحمة وبين وجود الغضب ؛ ولذلك اجتمعا في المغضوب عليه ، فإنه مرحوم بإعطاء الوجود ، وإنما التقابل بين حقيقة الرحمة وحقيقة الغضب ، وإذا كان وجود الغضب من الرحمة ؛ ( فسبقت رحمته غضبه ) « 1 » ؛ لأنها سبب وجوده ، والسبب مقدم على المسبب ، ولما كان المتبادر إلى الوهم من هنا أن الرحمة تمحو الغضب في الآخر بالكلية ، إزال ذلك بقوله : ( أي : سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه ) ؛ لأن ما يكون انتسابه إلى الشيء بالواسطة فنسبته متأخرة عن نسبة الواسطة إليه ، وسبق النسبة لشيء بالغضب إلى شيء لا يقتضي رفع ما يكون نسبته متأخرة في وقت ما . ثم أشار إلى وجه عموم الرحمة ؛ فقال : ( ولما كان ) في العلم الإلهي ( لكل عين ) بالعبودية فيه ( وجود ) مقداره إذا خرج إلى الفعل حصل كمالها ، وهي ( تطلبه ) بلسان الاستعداد ( من اللّه ) ، وإعطاؤه المطلوب رحمة منه على الطالب ؛ ( لذلك عمت رحمته كل عين ) ، وإنما كان وجود كل شيء رحمة عليه ، وإن كرهه البعض عن شدة وابتلاء ، ( فإنه برحمته التي رحمه بها ) وراء ما يرحم بابتلائه المنعمين من أهل معرفته ، إذ يرون كمال نعمهم ، ويعرفونها ببلائه ، فإنه إنما تعرف الأشياء بأضدادها ( قبل ) أي : أجاب ( رغبته ) أي : دعاؤه وطلبه بلسان الاستعداد ( في وجود عينه ) ؛ لكونه كمالا لها ، ( فأوجدها ) ثم عرضت لها الكراهة ، فلا عبرة بها ، ( فلذلك قلنا : إن رحمة اللّه وسعت كل شيء وجودا وحكما ) ، فإن بعض الأحكام ، وإن كانت مكروهة الآن كانت مرغوبة للأعيان حينئذ . ثم استشعر سؤالا بأنه كيف وسعت رحمته كل شيء ، وأعظم الأشياء ذات اللّه وأسماؤه وصفاته ، ولا يحصل لها الوجود بعد العدم ، فكيف تكون مرحومة ، ومن جملتها الرحمة ، فكيف وسعت نفسها ؟ فأجاب بقوله : وأما ( الأسماء الإلهية ) ؛ فهي وإن لم تكن مرحومة باعتبار أنفسها ، فهي مرحومة باعتبار كونها ( من الأشياء ) التي هي صورها ، وكذا الذات الإلهية ، وإن كانت غنية عن العالمين ، فلها ظهور بظهور أسمائها إذ ( هي ترجع إلى عين واحدة ) ، وهي أيضا مرحومة بهذا الاعتبار ، وهي سابقة على الأسماء بالذات وظهورها كذلك ؛ لأن ما بالذات لا يزول بالغير ، ( فأول ما وسعته رحمة اللّه ) أضافها إلى اللّه احترازا عن الرحمة الذاتية التي أول ما وسعته نفس الرحمة الإلهية ( شيئيّة تلك العين ) ، أي : صورة ظهورها في المظاهر ، فإن وجود كل شيء سابق على سائر صفاته التي هي صور الأسماء والصفات ، ولهذه العين رحمة ذاتية أوجدت الرحمة الإلهية ، كما أشار إليه بقوله : ( الموجودة للرحمة بالرحمة ) « 2 » ، إذ لا
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) في نسخة : « الموجدة للرّحمة بالرّحمة » .